أكد معالي الاستاذ جاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، أن القمة الثلاثية بين مجلس التعاون ورابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان) وجمهورية الصين الشعبية تمثل حدثًا استثنائيًا بكل المقاييس، وتعكس إدراكاً مشتركاً لأهمية تعزيز التشاور السياسي، وتبادل الرؤى حول قضايا السلم والتنمية الاقتصادية، وترسيخ الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، في وقت تتسارع فيه التحولات على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والبيئية، ونرى فيها فرصة ثمينة لتعزيز أواصر التفاهم بين هذه الكيانات الثلاثة الكبرى، ومناقشة سبل التنسيق في مختلف المجالات ذات الاهتمام المشترك.
جاء ذلك خلال انعقاد القمة الثلاثية بين مجلس التعاون ورابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان) وجمهورية الصين الشعبية، اليوم الثلاثاء الموافق 27 مايو 2025م، بالعاصمة الماليزية كوالالمبور، برئاسة مشتركة بين ممثل حضرة صاحب السمو الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت -حفظه الله ورعاه-، سمو الشيخ صباح خالد الحمد المبارك الصباح، ولي العهد بدولة الكويت -حفظه الله-(دولة الرئاسة للمجلس الأعلى)، وفخامة أنور إبراهيم، رئيس وزراء ماليزيا، ودولة السيد لي تشيانغ رئيس مجلس الدولة بجمهورية الصين الشعبية، وبحضور أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون –حفظهم الله ورعاهم– وممثلين عنهم، وقادة دول رابطة الآسيان، ومشاركة سعادة الدكتور كو كيم هورن، الأمين العام لرابطة الآسيان.
وفي بداية كلمته عبر معالي الأمين العام عن بالغ الامتنان لحكومة وشعب ماليزيا على ما لمسناه من كرم الضيافة، وحفاوة الاستقبال، والتنظيم المميز لهذه القمة التاريخية، ومقدما الشكر لفخامة أنور إبراهيم، رئيس وزراء ماليزيا، على رعايته الكريمة لأعمال هذه القمة الثلاثية الهامة، التي تجمع مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ورابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان)، وجمهورية الصين الشعبية، والتي ستشكّل منطلقًا لتعاون ثلاثي متجدد، يستند إلى القواسم المشتركة، ويخدم تطلعات شعوبنا.
وقال معاليه: إن مجلس التعاون لدول الخليج العربية احتفل قبل يومين بمناسبة مرور أربعة وأربعين عامًا على تأسيسه، ويواصل بثقة مسيرته نحو تعزيز التنمية المستدامة، وترسيخ السلم والاستقرار في المنطقة، وتوسيع علاقاته وشراكاته مع الدول والمجموعات الدولية، خصوصًا مع الشركاء الآسيويين الذين تربطنا بهم علاقات حضارية وتاريخية ومصالح اقتصادية متبادلة، في مجالات التجارة، وسلاسل الإمداد، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا المتقدمة، بما يعزز تطلعات شعوبنا نحو نمو مستدام، ومن كوالالمبور تنطلق هذه القمة الثلاثية لتعكس واقعا جديدا تؤكده أرقام لا تقبل التأويل، حيث يمثل تعداد سكان دولنا أكثر من 2.14 مليار نسمة، أي نحو 27% من سكان العالم، ضمن سوق يمتد من الخليج العربي إلى المحيط الهادئ، ويحمل إمكانات استهلاكية وإنتاجية هائلة لا يمكن تجاهلها في معادلات الاقتصاد العالمي، وعلى الصعيد الاقتصادي، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون، والآسيان، والصين أكثر من 24 تريليون دولار أمريكي، أي ما يعادل أكثر من 22% من الناتج العالمي، مع توقعات بنمو سنوي يتراوح بين نسبة 4 إلى 6% حتى عام 2030م، مدفوعًا بالتحول الرقمي، والطاقة النظيفة، وسلاسل التوريد الذكية، وعلى مستوى التبادل التجاري، فقد بلغ حجم التجارة بين دول مجلس التعاون وكل من الصين والآسيان معًا نحو 347 مليار دولار في عام 2023م، وهو ما يشكل أكثر من ثلث تجارة مجلس التعاون مع دول العالم قاطبة، مع مؤشرات واضحة على أن هذا الرقم قد يتجاوز 500 مليار دولار بحلول عام 2030م، في ظل تصاعد الشراكات القطاعية وتحرير الأسواق، وإن هذه الأرقام، في مضمونها، هي دعوة واضحة لتفعيل الشراكة، وتعميق الثقة، وبناء نموذج تنموي يقوم على تشارك الفرص واستدامة العوائد.
مشيراً معاليه إلى أن التجربة لدينا قد أثبتت القواسم المشتركة ما يفوق التباينات، وأننا قادرون، من خلال هذه الشراكة الثلاثية، على تأسيس علاقات تقوم على الاحترام المتبادل، والتكافؤ، والسيادة، والمنافع المشتركة، وتُسهم في إرساء دعائم الاستقرار الإقليمي والدولي، ومواجهة التحديات العالمية، كما شكّل التعاون مع دول رابطة جنوب شرق آسيا (الآسيان)، نموذجًا ناجحًا للتكامل بين التكتلات، وتوج هذا التعاون بقمة الرياض في أكتوبر 2023م، التي أرست إطارًا إستراتيجيًا للفترة (2024-2028م)، يشمل مجالات السياسة، والاقتصاد، والطاقة، والأمن الغذائي، والتكنولوجيا، وغيرها من أوجه التعاون المشترك، ومن جهة أخرى، فإن علاقاتنا مع جمهورية الصين الشعبية تشهد نموًا متسارعًا وتطورًا نوعيًا، حيث إن القمة الخليجية الصينية الأولى التي استضافتها الرياض في ديسمبر 2022م، أسفرت عن اعتماد خطة العمل المشترك (2023-2027م)، والتي غطت طيفًا واسعًا من مجالات التعاون، من السياسة والاقتصاد، والطاقة، والفضاء، إلى البيئة، والزراعة، والتعليم، والسياحة، والتكنولوجيا، والأمن السيبراني، وتعد جمهورية الصين الشعبية أحد أهم الشركاء التجاريين لدول المجلس.
واستعرض معالي الأمين العام عدداً من المجالات التي تحظى باهتمامٍ مشترك من دولنا، كتعزيز أمن الغذاء والطاقة في مواجهة التقلبات الجيوسياسية، وتسريع التحول الرقمي من خلال إنشاء مراكز ابتكار وتمكين تقني مشترك، ومواجهة تغير المناخ بالاستثمار في الطاقة النظيفة، وتوسيع أدوات التمويل الأخضر، وحماية حرية الملاحة وسلامة الممرات البحرية، لا سيّما في البحر الأحمر وخليج عدن، كعنصر حيوي للتجارة الدولية، مضيفاً معاليه بأن هذه القضايا تعد ركائز لبناء نظام إقليمي–عالمي متكافئ، تُسهم فيه تكتلاتنا الثلاثية بقوة سكانها، وثقلها الاقتصادي، وتنوعها الجغرافي، وثقافاتها العميقة، وإن من أكثر القضايا إلحاحًا في الوقت الحاضر، هي مأساة قطاع غزة حيث نتطلع إلى نجاح المفاوضات الجارية حاليًا لوقف القتال والإفراج عن الرهائن والمحتجزين واستئناف إيصال المساعدات الإنسانية إلى السكان المحاصرين، ونأمل في تجاوز هذه المرحلة العصيبة فإننا نؤكد على الحل المستدام يكمن للتسوية العادلة للقضية الفلسطينية، تفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة وفق قرارات الأمم المتحدة ومبادرة السلام العربية، وهو ما من شأنه أن يمهد الطريق لسلام وعيش كريم وآمن وازدهار لشعوب المنطقة كافة، كما نجدد في هذا المقام موقف دول مجلس التعاون الثابت في نصرة الشعب الفلسطيني ودعمه على كافة الأصعدة.
كما تطرق معاليه إلى التهديدات المتزايدة في البحر الأحمر وخليج عدن، والتي تمسّ مصالح التجارة العالمية وأمن الطاقة، والحاجة إلى موقف دولي موحد لحماية الممرات المائية وضمان حرية الملاحة، والتصدي للقرصنة والاعتداءات، والتدخلات الخارجية التي تقوّض أمن المنطقة، وفقاً للقانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
مختتماً معاليه كلمته بأنَّ ما يجمعنا اليوم اقتصاد قوي وتعداد سكاني، ورؤية مشتركة تتجاوز الحسابات الضيقة نحو بناء نظام إقليمي أكثر عدلًا، وتوازنًا، واحترامًا لحقوق الشعوب في التنمية والأمن والكرامة، مغتنمين هذه اللحظة، لنحوّلها إلى بداية عميقة لشراكة استراتيجية تمتد نحو المستقبل بثقة، وتُسهم في صياغة عالم أكثر توازناً، وإنصافًا، واستدامة.

